بقلم: م. عمر عبد الله الزرو
 ناشط نقابي وموظف حكومي 

تتجسد مسؤولية النقابة الهندسية التاريخية اليوم في تجاوز دورها التنظيمي التقليدي لتصبح منارةً علميةً وحاضنةً للإبداع ومدرسةً للأجيال. ففي عصرٍ يتسارع فيه التطور التقني والمعرفي، يصبح التجديد والتطوير ضرورةً حتميةً لمواكبة التحديات والمتطلبات المستقبلية، وليس مجرد خيارٍ ثانوي.

يكشف الواقع العملي فجوةً واضحةً بين النصوص المنظمة لعمل النقابة والتطبيق الفعلي. فبينما تؤكد المبادئ على ضرورة تشكيل اللجان من مهندسين نشطين وذوي كفاءات عالية، يلاحظ غياب العديد من الكفاءات المعروفة بعطاءها واهتماهما بالنقابة والعمل النقابي وغير ذلك، وظهور أسماء غير مألوفة في مواقع صنع القرار، مما يثير تساؤلاتٍ حول مدى التزام النقابة بمعاييرها المعلنة وهذا يدل أن الآلية المتبعة حاليا تحتاج لتطوير.

وغالبا تتعالى أصوات مشروعة تستفسر عن معايير اختيار أعضاء اللجان وإقصاء البعض وربما داعمين للقوائم الناجحة، خاصةً في ظل الإعلان المتكرر أن النقابة للجميع دون تمييز أو إقصاء. فكيف يمكن تفسير غياب التمثيل الحقيقي لبعض النخب والكفاءات؟ وما هي الآليات المتبعة لضمان تمثيل جميع المهندسين دون إقصاءٍ أو تحيز؟ أو حتى الآليات المتبعة للعمل التطوعي والمشاركة في الأنشطة داخل النقابة وبناءها؟! سنجيب عن بعض هذه التساؤلات عن طريق رؤية تساعد على الإصلاح.

أسس الإصلاح

تستند عملية الإصلاح إلى مبادئ راسخة كالعدل والمساواة، فهي ليست قيماً دينيةً فحسب، بل ضمانات عملية لنجاح أي عمل مؤسسي. فمبدأ الأمانة يقتضي اختيار الأصلح، ومبدأ الشورى يدعو لإشراك ذوي الاختصاص، ومبدأ المساءلة يضمن متابعة الأداء. هذه المبادئ تشكل الإطار الأخلاقي الذي يجب أن يحكم عمل النقابة.

يجب أن تتربع قيم النزاهة المهنية والكفاءة العلمية والشفافية الإدارية على عرش العمل النقابي. فالمعيار الحقيقي للاختيار والترقية يجب أن يكون القدرة على العطاء والإنجاز الملموس، بعيداً عن الانتماءات الحزبية أو العلاقات الشخصية.

النموذج المقترح

يقوم النموذج المقترح على نظامٍ موضوعيٍ يبدأ بترشيحٍ مفتوحٍ لجميع الأعضاء، مدعوماً بنظام تزكيةٍ من الزملاء. تلي ذلك مرحلة فرزٍ دقيقةٍ تستند إلى معاييرَ واضحةٍ تقيس النشاط النقابي الحقيقي، والكفاءة المهنية الموثقة، والقدرة على الإسهام المستقبلي.

تبدأ الرحلة بالإعلان الواسع عن الفرص، مروراً بالتقديم الإلكتروني المنظم، فالتقييم الموضوعي من قبل هيئة محايدة، وانتهاءً بالإعلان العلني عن النتائج، مع منح فرصةٍ للاعتراضات المبررة، وتجربة عملية قبل التثبيت النهائي.

اللجان المحورية المنشودة

أولا: اللجنة العلمية والثقافية؛ تُصمَّم هذه اللجنة لتكون العقل المفكر للنقابة، مسؤولةً عن تعميق الثقافة الهندسية وتطوير الفهم المهني. تتضمن مبادراتها الرئيسية:

  • مشروع “الأكواد الحية”: لترجمة وتفسير وتحديث المواصفات العالمية كون الهندسة مبنية على الاكواد وعلى نظام رياضي.
  • سلسلة “المهندس الباحث”: لتدريب على منهجيات البحث العلمي
  • منصة “الخبير المتقاعد”: لاستثمار خبرات المهندسين المتقاعدين
  • مبادرة “المكتبة الهندسية الرقمية”: لتوفير أرشيف شامل للمعرفة الهندسية

ثانيا: لجنة الإبداع والابتكار؛ تمثل هذه اللجنة القلب النابض للنقابة، كحاضنة للمبدعين وداعمة للمبتكرين. تشمل برامجها:

  • حاضنة “رواد الهندسة”: لدعم المشاريع الريادية
  • مسابقة “التحدي الهندسي الوطني”: لمعالجة القضايا الملحة بحلول إبداعية
  • معرض “إبداعات المهندسين”: لعرض الابتكارات سنوياً
  • منصة “التقني المبدع”: لربط المبتكرين بالجهات الداعمة

ثالثا: لجنة الشباب والتطوير؛ تعمل هذه اللجنة كجسر بين الأجيال، وتركز على تأهيل الشباب لقيادة المستقبل. تتضمن مشاريعها:

  • برنامج “المرشد الهندسي”: لربط الخريجين بالخبراء
  • مبادرة “المهندس العالمي”: للتأهيل للمعايير الدولية
  • مشروع “المهارات المستقبلية”: للتدريب على التقنيات الناشئة

أرشيف رقمي شامل

يتضمن النموذج إنشاء أرشيف رقمي شامل يسجل جميع الفعاليات العلمية والنقابية، ليكون متاحاً مجاناً لجميع الأعضاء. هذا الأرشيف سيتجاوز كونه مستودعاً للمعلومات إلى منصة تعليمية تفاعلية تتيح التعلم المستمر.

وتلتزم النقابة بتوفير برامج تعليمية مجانية متنوعة، تشمل جميع التخصصات والمستويات، مع منح شهادات مشاركة معتمدة، مما يعزز ثقافة التعلم المستمر.

وان تسعى النقابة لإنشاء منصة إلكترونية تجمع المبدعين والمبدعات من المهندسين عالمياً، لتكون جسراً للتعارف وتبادل الخبرات والتعاون في المشاريع المشتركة. تعمل على بناء شبكة تواصل مهنية تتيح للمهندسين الانضمام لمجموعات تخصصية والمشاركة في حوارات علمية وإيجاد فرص تعاون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *