بقلم : لما عواد
مقدّمة
يشهد العالم اليوم تحوّلًا متسارعًا نحو الاقتصاد الأخضر القائم على الحدّ من التلوث، وترشيد استهلاك الموارد، وتعزيز الإنتاج النظيف. هذا التحول لم يعد خيارًا بيئيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية ومهنية تمسّ جوهر السياسات التعليمية والتدريبية. وهنا يبرز دور التعليم والتدريب المهني والتقني (TVET) كأداة رئيسية لإعداد قوى عاملة تمتلك المهارات الخضراء القادرة على دعم مسار التنمية المستدامة في فلسطين والعالم العربي.
المهارات الخضراء، تُعرَّف بأنها مجموعة المعارف والقدرات والقيم التي تمكّن الأفراد من أداء وظائف تساهم في خفض الأثر البيئي وتعزيز كفاءة الموارد والطاقة، وتشمل مجالات مختلفة، المهارات التقنية الخاصة بالتقنيات النظيفة والطاقة المتجددة وإدارة النفايات. المهارات السلوكية مثل التفكير المنظومي، والمسؤولية البيئية، والقدرة على الابتكار في إدارة الموارد. المهارات الرقمية التي تدعم التحول نحو حلول ذكية ومستدامة.
وبحسب منظمة العمل الدولية (ILO)، فإن الاقتصاد الأخضر قادر على خلق ملايين فرص العمل الجديدة شريطة أن تواكب المؤسسات التعليمية هذا التحول عبر إدماج المفاهيم البيئية في برامجها التدريبية.
لماذا يحتاج التعليم المهني إلى التحول الأخضر؟
يُعدّ التعليم المهني الجسر العملي بين المدرسة وسوق العمل. ومع تصاعد التحديات البيئية والاقتصادية، بات من الضروري تحويل برامج التدريب من مجرد إكساب المهارات الحرفية التقليدية إلى مهارات خضراء تواكب المتطلبات الجديدة، منها تقنيات العزل الحراري والطاقة الشمسية في قطاع البناء، إدارة المياه والزراعة الذكية في التخصصات الزراعية، إعادة التدوير وإدارة النفايات في المجال الصناعي، والنقل المستدام وصيانة المركبات الكهربائية في قطاع المواصلات.
هذا التحول يعني أن التعليم المهني لم يعد مجرد إعداد للوظائف، بل أصبح محرّكًا للتنمية المستدامة.
التحديات أمام إدماج المهارات الخضراء في فلسطين
رغم التوجّه العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، ما تزال فلسطين تواجه عدّة تحديات، ضعف الوعي المؤسسي بمفهوم المهارات الخضراء وأهميتها الاستراتيجية، ومحدودية البنية التحتية للتدريب في مجالات الطاقة المتجددة والتقنيات البيئية.غياب الأطر الوطنية المحدثة لتصنيف المهن الخضراء وتضمينها في المناهج. ونقص الشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات البيئية لتطوير برامج تدريبية عملية.
ومع ذلك، بدأت بعض المبادرات الرائدة، مثل إدخال تخصصات الطاقة الشمسية، وإعادة التدوير، والزراعة المستدامة في بعض مراكز التدريب المهني، تمهيدًا لبناء منظومة خضراء متكاملة.
نحو منظومة مهنية خضراء في فلسطين
لتحقيق التحول المطلوب، يمكن تبنّي خارطة طريق متدرجة تقوم على:
- دمج البعد البيئي في المناهج المهنية والتقنية بشكل أفقي عبر جميع التخصصات.
- تطوير كفاءات المدربين من خلال برامج تدريبية متخصصة في المهارات الخضراء.
- تحفيز الشراكات مع القطاع الخاص لإنشاء مختبرات تدريب خضراء ومشاريع تطبيقية.
- تبني سياسات تشغيل خضراء في المؤسسات العامة والخاصة تدعم توظيف خريجي هذه التخصصات.
- تعزيز التوعية المجتمعية بدور المهن الخضراء في حماية البيئة وتوفير فرص عمل مستدامة للشباب والنساء.
إن التحول نحو الاقتصاد الأخضر ليس مجرد توجه عالمي، بل فرصة وطنية لإعادة بناء سوق العمل الفلسطيني على أسس أكثر استدامة وعدالة. ويشكّل التعليم المهني والتقني نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا التحول، عبر الاستثمار في المهارات الخضراء التي تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والمسؤولية البيئية. فكل خريج مهني يتقن إدارة الطاقة أو إعادة التدوير هو في الحقيقة شريك في حماية الكوكب وبناء المستقبل.
