بقلم الأستاذ مالك محمد سلهب
أستاذ السلامة والصحة المهنية في المركز الوطني الفلسطيني للسلامة والصحة المهنية وحماية البيئة وجامعة بوليتكنك فلسطين.
مقدمة
يعد تطبيق السلامة والصحة المهنية ركيزة أساسية للتنمية المستدامة والعمل اللائق، خاصة في دولة نامية مثل فلسطين والتي تواجه تحديات اقتصادية وسياسية متصاعدة. ومن خلال إحصائيات الوفيات المهنية التي يتم نشرها من قبل المركز الوطني الفلسطيني للسلامة والصحة المهنية وحماية البيئة في جامعة بوليتكنك فلسطين، نلاحظ تسجيلاً دائما وازديادً ملحوظاً في عدد الحوادث والوفيات المهنية في كافة القطاعات الصناعية والخدماتية، كما في القطاعات التشييد والبناء، الزراعة، الصناعة وقطاع الخدمات.
وتختلف مسببات الحوادث المهنية ومنها السقوط من علو، الصعق الكهربائي، انهيار الآبار والخنادق على العاملين، حوادث النقل والمواصلات والحرائق. حيث يصاحب هذه الحوادث خسائر بشرية، مالية ومعنوية، تتمثل في وقوع الإصابات، الامراض المهنية والوفيات، دمار وخسائر هائلة في الممتلكات، خسائر معنوية من خلال خسارة السمعة والمكانة الاجتماعية.
وبحسب دراسة أجراها العالم ويليام هينرتش، فإن 88% من الحوادث تقع بسبب تصرفات وسلوكيات غير آمنة يقوم بها العاملين، على سبيل المثال الركض داخل موقع العمل، المزاح، التشتت أثناء العمل، استخدام الهاتف المحمول أثناء تشغيل الآلات، العمل على الآلات والمعدات بطريقة خاطئة، أو حتى عدم ارتداء معدات الحماية الشخصية المناسبة للسيطرة على المخاطر في مكان العمل. وتلعب الظروف غير الآمنة دورا رئيسياً في حدوث الحوادث بنسبة 10%، ومثال على ذلك بيئة عمل غير مرتبة، تخزين سيء، إضاءة ضعيفة وضجيج مرتفع. حيث تعد التصرفات والسلوكيات غير الآمنة جنبا الى جنب مع الظروف غير الآمنة في مكان العمل، مؤشرا على ضعف ثقافة السلامة والصحة المهنية في أي مكان عمل.
ثقافة السلامة
وهنا لا بد أن نسلط الضوء على ضرورة تطبيق مفهوم ثقافة السلامة، حيث يكاد يكون تطبيق هذا المفهوم ضعيفاً إن لم يكن معدوماً في مجتمعاتنا العربية ولا نلقى له بالاً بالرغم من التكاليف الباهظة التي نتكبدها يوميا في الإطار المهني على شكل خسائر في الأرواح والممتلكات. ويمكن تعريف ثقافة السلامة بأنها مجموعة من المعتقدات والمفاهيم والقيم التي يشاركها الموظفون فيما يتعلق بالمخاطر داخل مكان العمل أو في المجتمع. ويمكن تعريفها أيضا بطريقة ممارسة الاعمال في هذا المكان، هل تتم بشكل آمن أم لا…
حيث ظهر مفهوم ثقافة السلامة في أوائل الثمانينيات، وتحديدا بعد كارثة انفجار مفاعل تشيرنوبل بتاريخ 26 نيسان 1986، حيث ساعد هذا الحادث في التركيز على ثقافة السلامة ضمن أنظمة إدارة السلامة المعمول بها. حيث ذكر تقرير موجز للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن حادث تشيرنوبيل أنه “يجب مراجعة الإجراءات الرسمية والموافقة عليها بشكل صحيح ويجب استكمالها بإنشاء ثقافة أمان نووي والحفاظ عليها”. ومنذ ذلك الحين، تم تبني مفهوم ثقافة السلامة من قبل العديد من الصناعات، وليس فقط في المجال النووي، وعلى سبيل المثال في قطاع الرعاية الصحية والطيران والنفط والغاز والطاقة والتعدين.
ويساعد تطبيق ثقافة السلامة المنظمات في الحفاظ على عمليات آمنة، من خلال جعل الجميع في كافة المستويات الإدارية والفنية، من مشغلي الآلات إلى المديرين يأخذون السلامة على محمل الجد، ويبقون متيقظين ويتجنبون الزلات التي تؤدي الى الحوادث، وهذا بدوره يؤدي إلى التقليل من أخطار وقوع الحوادث بشكل كبير مع حفظ الأرواح والممتلكات.
ثقافة السلامة مسؤولية الجميع
ويقع تطبيق ثقافة السلامة على العاملين والإدارة على حد سواء، فهي مسؤولية الجميع ولكي يتحقق ذلك يجب غرس وتعزيز ثقافة السلامة وتنميتها بالوعي والتدريب والمشاركة والالتزام. حيث يمكن العمل على عدة مستويات ومنها مستوى المنظمة، المجتمع والفرد.
على صعيد المنظمة:
- التواصل الفعال مع العاملين وسماع آرائهم حول أمور السلامة في مكان العمل.
- تدريب العاملين في أمور السلامة والصحة المهنية.
- القيادة بالقدوة، وهو أن يتصرف المدير بشكل آمن أمام العاملين وبذلك يكون قدوة لهم في اتباع الأساليب والطرق الآمنة في العمل.
- إظهار الالتزام المطلق من قبل الإدارة بتطبيق إجراءات السلامة والصحة المهنية وانه هذا الموضوع هو أولوية قصوى.
- إعداد واعتماد سياسات السلامة والصحة المهنية.
- توفير بيئة عمل آمنة ومناسبة.
- تخصيص الموارد اللازمة للتدريب وتوفير التجهيزات اللازمة.
- دمج السلامة ضمن الأهداف والاستراتيجيات المؤسسية.
- تشجيع الإبلاغ عن المخاطر والحوادث دون خوف من العقاب.
- المتابعة والتقييم المستمر لأداء السلامة.
على صعيد الفرد
يمثل الفرد الركيزة الأساسية لنجاح ثقافة السلامة، ويتحقق ذلك من خلال:
- التزام العامل بإجراءات وتعليمات السلامة.
- الاستخدام الصحيح لمعدات الحماية الشخصية.
- الإبلاغ عن المخاطر والحالات غير الآمنة.
- المشاركة في التدريبات والأنشطة التوعوية.
- تبني السلوكيات الآمنة في العمل والحياة اليومية.
على صعيد المجتمع:
- إطلاق حملة توعية شاملة من خلال وسائل الاعلام، تهدف إلى بناء ثقافة السلامة والصحة المهنية من خلال عرض برامج وفيديوهات توعوية في المستشفيات والجامعات والمؤسسات الأخرى، وذلك من خلال شاشات العرض الموجودة في هذه الأماكن.
- دمج برامج ومساقات السلامة والصحة المهنية في المراحل التعليمية بدءاً من المرحلة الابتدائية من خلال تصميم المناهج المناسبة والتدريب لتصبح جزءا من ثقافة الأجيال القادمة.
- إيجاد تخصصات جامعية تمنح درجة علمية في السلامة والصحة المهنية في الجامعات والمعاهد.
- إلزام المنشآت والمؤسسات على بناء انظمة السلامة والصحة المهنية وتدريب وتطوير موظفيها الدائم على تطبيق هذه البرامج والنظم.
في الختام، يُعد بناء ثقافة السلامة ضرورة وطنية ملحة في فلسطين للحفاظ على الأرواح وتعزيز الإنتاجية. مع وجوب تكاتف الجهود من قبل وزارة العمل الفلسطينية، النقابات العمالية، والاتحادات الصناعية والتجارية والمراكز المتخصصة، بهذه الطريقة يمكن تحقيق تقدم يحمي العمال ويبني مجتمعاً مهنيا أكثر أماناً.
تتحقق ثقافة السلامة الفعّالة عندما تتكامل أدوار المنظمة، الفرد والمجتمع، وتصبح السلامة قيمة راسخة وسلوكًا يوميًا.
