الخليل-
يستعد ريادي الأعمال الفلسطيني الأستاذ علي رمضان للسفر قريبا مع فريقه، ليتم تكريمهم بعد حصول فكرة مشروعهم الريادي على المركز الأول في مسابقة الابتكار الرقمي الاجتماعي (Digital Social Innovation Lab)، التي تنظمها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا – ESCWA).
وجاء هذا الفوز تتويجاً لتميز مشروعه المبتكر الذي تم عرضه كقصة نجاح على منصة DEPAR، التابعة لمنظمة الـ”إسكوا”، والذي يقوم على تدوير مخلفات الكرتون واستخدامها في التدفئة.
والأستاذ رمضان ريادي أعمال وصاحب خبرة طويلة في ريادة الأعمال، ويشغل منذ عام 2010 منصب مدير مركز التميز في الريادة واحتضان الاعمال في جامعة البوليتكنيك، ما قد يجعله أقدم مدير لحاضنة أعمال جامعية في فلسطين.
وقال رمضان لمجلة البيت المهني: “خلال رحلتي في حاضنة الأعمال نفذت أكثر من 27 برنامج دعم للشباب والرياديين، وساعدت بتأسيس أكثر من 300 شركة ناشئة”.
وأضاف: “كان صلب حياتنا ومسارنا المهني هو دعم الشباب، وتكللت الجهود في 2018 بفوزنا بجائزة محمد بن راشد آل مكتوم لدعم مشاريع الشباب”.
ويعتبر رمضان خبيرا في ريادة الأعمال الصديقة للبيئة، وهو مدرب معتمد في هذا المجال من الاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن حاضنة الأعمال في جامعة البولتكنيك تستهدف خدمة المجتمع ككل، وليس خدمة طلابها تحديدا، مبينا أن 35% من المستفيدين منها ليسوا من طلبة جامعة، وأغلب قصص النجاح جاءت من المجتمع المحلي.
ويعزو رمضان ذلك إلى أن الطالب الجامعي يكون تفكيره منصبّا في الحصول على وظيفة، في حين أن الشخص الريادي يأتي من خارج أسوار الجامعة ولديه هدف وفكرة مشروع بحاجة لتحويله إلى حقيقة.
ولفت إلى أن 6500 طالب استفادوا من حاضنة الأعمال في جامعة البولتكنيك، لكن المشاريع التي حصلت على دعم مالي بلغت 300 مشروع، وهناك حوالي 150 شركة ناشئة لا زالت تعمل وتدر دخلا، أي بمعدل 10 شركات ناشئة ناجحة كل عام.
فخر بفلسطين
ويعبر رمضان عن فخر فريقه بأنه استطاع أن عرض أول قصة نجاح لفلسطين على منصة الـ”ايسكوا”.
وقال: “كانت هناك 20 قصة نجاح معروضة على المنصة، وشعرت بالانزعاج لأنه لم يكن أي منها يحمل علم فلسطين، أما الآن فقد أدرجنا أول قصة فلسطينية على المنصة”.
وبين أنه تقدم للمسابقة كريادي في مجال الأعمال مستفيدا من خبرته الطويلة في هذا المجال، وأردف قائلا: “مشاركتنا في المسابقة كان هدفها بالأساس الانفتاح على الرياديين العرب، ولكي نحدد موقعنا بأفكارنا ومستوى عرضنا وأدائنا ودرجة التشابه والتقاطع معهم”.
وحول مشاركته في مسابقة الابتكار الرقمي الاجتماعي، أوضح رمضان أنه شارك في برنامج تدريبي أطلقته الـ”إيسكوا” مؤخرا، وهو مختبر الابتكار الاجتماعي الرقمي، ومن خلال هذا البرنامج يتم اختيار أفضل المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والبيئي باستخدام التكنولوجيا.
وأشار إلى أن 120 مشروعا من مختلف الدول العربية شاركت في هذا البرنامج، بينها حوالي 3 مشاريع من فلسطين، وأعلنت لجنة التحكيم التي تضم محكمين من عدة دول عربية، فوز المشروع الذي تقدم به رمضان، بالمركز الأول في المسابقة.
وبيّن رمضان أن فريق المشروع يضم مجموعة من الأفراد، لكن لدواعي التقدم للمسابقة، قُــــدّم المشروع باسم 4 أفراد؛ هم رجل أعمال من قطاع الطباعة والإنتاج الورقي ليكون مديرا تقنيا للمشروع، وطالب جامعي ليكون مديرا للتسويق، وخريجة ريادية لديها براءة اختراع صديقة للبيئة، فيما يتولى هو موقع المدير التنفيذي بوصفه خبيرا جامعيا.
تدوير مخلفات الكرتون
وشرح رمضان فكرة المشروع والتي تقوم على تدوير مخلفات الكرتون لحل مشكلة تراكم الكرتون الذي يسبب مشاكل بيئية وتجد فيه البلديات عبئا إضافيا في سعيها للتخلص منه.
وقال: “في كل التجمعات السكانية نجد صناديق الكرتون بمختلف الاحجام والأنواع من مخلفات المتاجر، ملقاة في الطرقات والأرصفة، مما يلوث البيئة ويزيد من العبء على البلديات، في حين أننا وجدنا أن هذه المخلفات كنز لو استطعنا استغلاله جيدا”.
وبيّن رمضان أن فكرة تدوير الكرتون واستخدامه كبديل لحطب التدفئة ليست فكرة ابتكارية بحد ذاتها، فهي مطبقة في الكثير من الدول، لكن الإضافة التي يقدمها المشروع هي إشراك المجتمع المحلي في التخلص من هذه المخلفات، والنظر إليها ككنز يمكن تحويله إلى نقود.
لاحظ فريق المشروع قيام أشخاص بتجميع العبوات المعدنية للمشروبات الغازية الملقاة في الطرقات، لبيعها بالوزن لتجار المعادن المستعملة، فنشأت لديهم فكرة تطبيق الآلية ذاتها على الكرتون، من خلال تشجيع متطوعين على جمع صناديق الكرتون من الشوارع وإحضارها لموقع المشروع.
وحسب فكرة المشروع، يحصل كل متطوع مقابل كل كيلوغرام يحضره على نقاط الكترونية خضراء، يتم تحويلها إلى رصيد يمكن استبداله نقدا أو على شكل خصومات من المتاجر الشريكة كمساهمة من هذه المتاجر في التخلص من مخلفاتها الكرتونية.
وسيخضع الكرتون للمعالجة بعدة مراحل؛ تبدأ بالتخلص من أي مواد بلاستيكية أو ملصقات، ثم فرم الكرتون ونقعه بالماء، ثم وضعه على مكبس هيدروليكي لتحويله إلى كتل “بلوكات” تستخدم للتدفئة.
وحسب الدراسات التي أجراها فريق المشروع، فإن استخدام بلوكات الكرتون في التدفئة من شأنه أن يوفر منتجا منافسا للحطب، إذ أن سعر الطن الواحد من حطب التدفئة يبلغ 500 دولار في الضفة الغربية، ويرتفع هذا المبلغ في قطاع غزة إلى 1500 دولار.
وتشير الدراسات كذلك إلى أن 400 طن من الحطب يتم حرقها سنويا في فلسطين، وهذه الكمية يمكن أن تشهد ارتفاعا بسبب ارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات، كما أن نسبة الذين يستخدمون الحطب للتدفئة في فلسطين تبلغ 38% ويلجأ البعض لاستخدام البلاستيك إلى جانب الحطب، مما يزيد من الانبعاثات الضارة.
وإلى جانب ذلك، فإن الاعتماد على الحطب في التدفئة شجّع على التعدي الجائر على الأشجار، وسرقتها، وتكسيرها.
وأوضح رمضان أن المشروع سيوفر المنتج بسعر التكلفة، وهي تكلفة بسيطة وتتركز في تكلفة النقل.
وقال: “الفكرة جاءت من واقع مشكلة تواجه الشعب الفلسطيني، فنحن ننفق مبالغ ضخمة سنويا على التدفئة، وفي بعض المناطق لا يدفعون أثمان الكهرباء، وهذا يزيد من استهلاك الكهرباء وبالتالي تلجأ شركات الكهرباء والبلديات لقطع الكهرباء.
وأضاف: “ركزنا على التدفئة نظرا لما شاهدناه في غزة من واقع صعب بسبب عدم دخول المحروقات، ويمكن استخدام كراتين الطرود الغذائية لتحويلها إلى بلوكات يمكن استخدامها للتدفئة”.
تجارب واختبارات
وقال إنهم أجروا اختبارات على بلوكات الكرتون، ووجدوا أن الكرتون يعطي حرارة أعلى، لكن المشكلة كانت أن زمن احتراقه أقل، فالكيلوغرام الواحد من الحطب يحتاج إلى 60 دقيقة ليحترق بالكامل، بينما يحتاج احتراق الكيلوغرام الواحد من الكرتون إلى 40 دقيقة.
لكن، بعد تجارب عديدة، تمكنوا من زيادة مدة احتراق الكرتون لتقترب من زمن احتراق الحطب، وذلك ببعض الإضافات، منها نشارة الخشب وجفت الزيتون، مما رفع المدة الى 50 دقيقة.
ويوضح رمضان أن ميزة الكرتون أن احتراقه ينتج كمية أقل من الرماد، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون أقل، ويعطي حرارة أعلى.
وقال رمضان أن المشروع يحتاج إلى رأس مال بقيمة 25 الف دولار، وتوفير مكبس هيدروليكي حديث، ومساحة من الأرض لتجفيف المنتج وتخزين الكرتون الخام، وهذا المبلغ لن يشمل دفع أي رواتب للعاملين، إذ سيحصل العاملون على نسبة على كميات المنتج الذي يباع.
ويشير رمضان إلى أن أصحاب المشروع يدرسون تخصيص عائدات المشروع لمساعدة الحالات الاجتماعية، وبهذا يكون للمشروع أثر اجتماعي بمساعدة الفقراء، وأثر اقتصادي بتوفير فرص عمل، وأثر بيئي في التخلص من مخلفات الكرتون.
وقال: “سنعرض الفكرة أمام مستثمرين من الوطن العربي، ونأمل أن نحصل على دعم لتحويل المشروع من نموذج أولي إلى مشروع استثماري يدر الدخل على أصحابه ويوفر فرص عمل، ويقضي على المشاكل البيئية في مجتمعاتنا العربية بشكل عام وفلسطين بشكل خاص”.
ولفت إلى أن استخدام الكرتون للتدفئة هي خطوة أولية، وهناك الكثير من الصناعات التي يدخل فيها الكرتون المعاد تدويره، مما يفتح الباب أمام أفكار أخرى، مثل استخدامه كخيوط لتغليف الهدايا خاصة الزجاجية منها.
واعتبر أن طريقة عرض المشروع وتسلسله نالت إعجاب لجنة التحكيم، وذلك من خلال عرض المشكلة وحجم الأثر البيئي الذي يتركه المشروع، وتقاطعه مع الاقتصاد الدائري.
