في أزقّة البلدة القديمة بمدينة نابلس، وبين الدكاكين الحجرية والبيوت المتلاصقة، ما تزال تنبض واحدة من أقدم المهن الغذائية الفلسطينية وأكثرها رسوخًا: صناعة المخللات البلدية التقليدية.

هي مهنة لا تظهر في الواجهات الحديثة ولا تُسوَّق عبر الإعلانات، لكنها تعيش بثبات في تفاصيل المطبخ النابلسي، وتحضر يوميًا على موائد الناس بلا ضجيج.

تعتمد هذه الصناعة على خبرة متوارثة جيلاً بعد جيل، داخل عائلات اشتهرت بالمخللات منذ عشرات السنين. فلا خطوط إنتاج، ولا مواد حافظة، ولا وصفات مكتوبة. كل شيء يقوم على المعرفة العملية، والذوق، والتجربة الطويلة.

تخليل “على مهل”

يبدأ العمل موسميًا، وفق ما تجود به الأرض:

الخيار في ذروة الصيف، اللفت في الشتاء، الزيتون الأخضر في الخريف، والقرنبيط في مواسمه.

تُختار الخضروات يدويًا، وتُغسل بعناية، ثم تُخمَّر في براميل كبيرة – حجرية قديمًا وبلاستيكية اليوم – باستخدام الماء والملح فقط، وأحيانًا القليل من الخل أو الثوم والفلفل حسب النوع.

ولا تُقاس مدة التخمير بالساعات أو الأيام المكتوبة، بل تُحدَّد بالعين والأنف والتذوّق.

صانع المخلل الحقيقي يعرف أن المخلل “استوى” من صوته عند العضّ، من رائحته الخفيفة، ومن توازن ملوحته… لا من أجهزة أو مؤقتات.

وفي أشهر الصيف، يبدأ العمل قبل الفجر، تفاديًا لحرارة النهار التي قد تؤثر على جودة التخليل، وهي تفاصيل لا يعرفها إلا من عاش المهنة يومًا بيوم.

مهنة متجذّرة… لا مهددة

ورغم تغيّر أساليب الحياة وتوسّع المنتجات الصناعية، فإن صناعة المخللات البلدية في نابلس ليست مهنة مهددة، بل مهنة متقلّصة لكنها متماسكة، تعتمد على زبائن أوفياء يميّزون الطعم البلدي، ويثقون بما هو “من البرميل” أكثر مما هو “من المصنع”.

صحيح أن عدد العاملين فيها أقل مما كان عليه سابقًا، لكن ذلك لا يعني ضعفها، بل يعكس طبيعتها:

حرفة تحتاج صبرًا، وحضورًا يوميًا، وعلاقة مباشرة مع الناس، ولا تغري كثيرًا من الشباب الباحثين عن أعمال أسرع ربحًا.

ومع ذلك، لا تزال هذه المهنة حاضرة بقوة في المواسم، وخصوصًا في شهر رمضان، حيث يزداد الطلب على المخللات البلدية باعتبارها “مخللات بلا كيمياء”… بطعم الذاكرة والبيت.

هوية غذائية

ما يجعل المخللات النابلسية مختلفة ليس النوع فقط، بل الهوية.

هي جزء من المشهد اليومي للمدينة، من رائحة السوق، ومن موائد الإفطار، ومن علاقة الثقة بين البائع والزبون، حيث لا يحتاج الزبون أكثر من كلمة: “هات من تبعك”.

هكذا، تستمر صناعة المخللات البلدية في نابلس، لا كحرفة معروضة للإنقاذ، بل كتراث حيّ يُمارَس بهدوء، ويحفظ نفسه بنفسه… طالما بقي هناك من يقدّر الطعم الأصيل، ويعرف أن بعض الأشياء لا ينبغي أن تتغيّر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *