على امتداد المناطق الجبلية في فلسطين، من الخليل جنوباً إلى نابلس وجنين شمالاً، شكّلت السناسل الحجرية عنصراً أساسياً في المشهد الزراعي والبيئي، ودليلاً على تفاعل الإنسان مع طبيعة قاسية فرضت حلولاً ذكية ومستدامة للبقاء والإنتاج.

لم تكن السناسل الحجرية مجرد تشكيلات معمارية ريفية، بل ممارسة زراعية متكاملة ومهنة تقليدية لعبت دوراً محورياً في استصلاح الأراضي، وحماية التربة، وضمان استمرارية الزراعة في البيئات الجبلية الوعرة. ومع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، باتت هذه المهنة اليوم مهددة بالاندثار.

ما هي السناسل الحجرية؟

السناسل الحجرية هي جدران تُبنى من الحجارة الطبيعية غير المصقولة، دون استخدام الإسمنت أو المواد اللاصقة، وتُقام على السفوح والمنحدرات الجبلية بهدف تثبيت التربة وتحويل الأراضي المائلة إلى مصاطب صالحة للزراعة.

تعتمد هذه التقنية على ترتيب الحجارة بشكل مدروس يسمح بتماسك الجدار وتحمله للضغط، مع ترك فراغات صغيرة تسمح بتصريف المياه ومنع تراكمها خلف الجدار. وقد مكّنت هذه الطريقة الفلاح الفلسطيني من استغلال مساحات جبلية كانت غير قابلة للزراعة، وتحويلها إلى حقول منتجة.

دور السناسل في الزراعة التقليدية

أدّت السناسل الحجرية دوراً حيوياً في حماية التربة من الانجراف، خاصة في مواسم الأمطار الغزيرة، كما ساهمت في الحفاظ على الرطوبة داخل الأرض الزراعية، ما عزّز إنتاج المحاصيل في بيئة محدودة الموارد المائية.

وبفضل هذه المصاطب، ازدهرت زراعة أشجار الزيتون واللوز والتين والعنب، إلى جانب محاصيل أخرى تكيفت مع طبيعة الأرض الجبلية. وكانت السناسل جزءاً من منظومة زراعية متكاملة تراعي التوازن بين الإنسان والطبيعة.

مهنة تتطلب خبرة متوارثة

لم يكن بناء السناسل عملاً ارتجالياً، بل حرفة دقيقة تعتمد على خبرة طويلة ومعرفة متراكمة بطبيعة الحجر والتربة واتجاهات الانحدار. كان البنّاء التقليدي يمتلك فهماً عملياً لتوزيع الأحمال، واختيار الحجارة المناسبة لكل مستوى من الجدار.

يُختار الحجر الأكبر والأثقل للأساس، بينما توضع الحجارة المتوسطة في المنتصف، وتُستكمل الطبقة العلوية بحجارة أخف، في بناء يضمن التوازن والاستقرار على المدى الطويل. ويُعد هذا التدرّج أحد أسرار متانة السناسل التي صمد كثير منها لعقود، بل لقرون.

تراجع المهنة وأسباب الاندثار

شهدت مهنة بناء السناسل الحجرية تراجعاً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، نتيجة تغيّر أنماط الحياة، وهجرة الأيدي العاملة من الريف إلى المدن، وتراجع الاعتماد على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

كما ساهم انتشار مواد البناء الحديثة، وارتفاع كلفة العمل اليدوي، وضعف نقل المعرفة بين الأجيال، في انحسار هذه الحرفة. ومع غياب برامج تدريبية رسمية أو سياسات لحماية التراث الزراعي، باتت المهنة مهددة بالزوال.

السناسل كجزء من التراث الثقافي والبيئي

لا تقتصر أهمية السناسل الحجرية على بعدها الزراعي، بل تمتد لتشمل قيمتها التراثية والبيئية. فهي تعكس نمط حياة ريفياً قائماً على الاكتفاء الذاتي، واحترام الموارد الطبيعية، والعمل الجماعي.

كما تُعد السناسل مثالاً مبكراً على الزراعة المستدامة، التي تتوافق مع مفاهيم الحفاظ على البيئة والتكيف مع التغير المناخي، وهو ما يعيد تسليط الضوء على أهميتها في الوقت الحاضر.

بين الحماية وإعادة الاعتبار

أمام خطر اندثار هذه المهنة، تبرز الحاجة إلى توثيق المعرفة المرتبطة بها، ودعم المبادرات التي تسعى إلى تدريب جيل جديد على تقنيات البناء التقليدي، وإدماج السناسل الحجرية ضمن سياسات حماية التراث الزراعي.

فبناء السناسل الحجرية ليس مجرد ممارسة من الماضي، بل خبرة إنسانية متراكمة تحمل دروساً معاصرة في الاستدامة، والارتباط بالأرض، وإدارة الموارد، في زمن تتزايد فيه التحديات البيئية والاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *