في أزقة نابلس القديمة، لا تزال مهنة تقليدية تقاوم الزمن بصمت، مهنة تجمع بين الحرفة والفن والهوية: صناعة البلاط الشامي. إنها مهنة عريقة ارتبطت بمدن بلاد الشام، خصوصاً نابلس ودمشق، حيث شكّلت لعقود طويلة جزءاً أساسياً من العمارة التقليدية في البيوت والقصور والمساجد.
هذا البلاط الملوّن، الذي تميّزه الزخارف الهندسية الدقيقة والألوان الهادئة، لم يكن مجرد أرضيات للمنازل، بل لوحة فنية تعكس ذوق المكان وروحه. فكل قطعة منه تُصنع يدوياً، عبر قوالب نحاسية تُسكب فيها الألوان والخلطات الإسمنتية بعناية، لتخرج في النهاية بلاطة تحمل نقوشاً فنية قديمة مثل النجمة، والبقلاوة، والزنبقة وغيرها من التصاميم التقليدية.
وتعود جذور هذه الصناعة في فلسطين إلى أكثر من قرن، إذ بدأت الورش الأولى لإنتاج البلاط الشامي في مدن مثل حيفا ويافا ونابلس مطلع القرن العشرين، قبل أن تصبح نابلس إحدى أهم المدن التي حافظت على هذه الحرفة حتى اليوم.
لكن هذه المهنة اليوم تقف على حافة الاندثار. فمع انتشار البلاط الصناعي الحديث وتراجع الطلب على الأعمال اليدوية، تقلّص عدد الورش التي تمارس هذه الحرفة، حتى أصبح إنتاج البلاط الشامي التقليدي محصوراً في عدد قليل جداً من الحرفيين الذين ورثوا المهنة عن آبائهم وأجدادهم.
ورغم ذلك، لا يزال البلاط الشامي حاضراً في ذاكرة المدن الفلسطينية؛ فهو يزين أرضيات البيوت القديمة في نابلس والقدس وحيفا، ويشكّل جزءاً من هوية المكان المعمارية. فكل بلاطة ليست مجرد حجر ملوّن، بل قصة من تاريخ البيت وسكانه.
إنها مهنة نادرة، تجمع بين الحرفة والجمال والتراث، وتذكّر بأن العمارة القديمة لم تكن مجرد بناء، بل فناً حيّاً يروي حكاية المكان والناس.
