الخبير التربوي جودت صيصان: تنويع مصادر التعلم فكرة تربوية مهمة إذا استُخدمت بشكل متوازن
تفاصيل الخبر
نابلس
مع بداية العام الدراسي الجديد 2026-2027، ستبدأ وزارة التربية والتعليم العالي بتطبيق نظام التعليم المستند إلى المصادر المفتوحة في المدارس الفلسطينية للصفوف من الأول وحتى الرابع الأساسي.
وترى الوزارة في التعليم المفتوح تحولا تربويا تدريجيا يعيد بناء دور المعلم ويضع الطفل في قلب التعلم، وهو لا يعني إلغاء الكتاب المدرسي، كما لا يعني التحول إلى التعليم الإلكتروني، ولا ترك العملية التعليمية لاجتهادات المعلمين، وإنما يمثل تحولا تدريجيا في تصميم الموقف التعليمي يقوم على تنويع المصادر وبناء الكفايات الأساسية وتعزيز التفاعل داخل الغرفة الصفية، وتمكين المعلم من اختيار الأنشطة التي تستجيب لاحتياجات الأطفال اختلاف بيئاتهم.
وأثار الإعلان عن تطبيق هذا النظام تخوفات كثيرة من جانب الأهالي والكثير من التربويين، رغم تطمينات الوزارة بأن المشروع لم يأت بصورة مفاجئة، بل تمت تجربته في 64 مدرسة، وأجريت عليه دراسة تقييمية وطنية، وتم إعداد أطر للكفايات وتدريب للمعلمين والمشرفين ومديري المدارس إلى جانب تطوير خطط سنوية ومصادر تعليمية محكمة، والعمل على تجهيز البيئات المدرسية بالحد المطلوب للانطلاق مع بداية العام الدراسي الجديد.
وفي لقاء مع مجلة “البيت المهني”، قال الخبير التربوي جودت صيصان، مدير مركز “يوسمارت” للتدريب والاستشارات برام الله، إن تنويع مصادر التعلم فكرة تربوية مهمة وتوجهاً تربوياً مهماً في تطوير التعليم إذا استُخدمت بشكل متوازن، فهي تثري خبرة الطالب، وتنمي مهارات التفكير والبحث، وتمنح المعلم مرونة ومساحة أوسع لتصميم خبرات تعلم تتناسب مع احتياجات الطلبة.
ويشير صيصان إلى أن الاتجاه التربوي الأكثر توازناً لا يقوم على إلغاء الكتاب المدرسي أو المنهاج المنظم، وإنما على التكامل بين محتوى أساسي واضح ومصادر تعلم مفتوحة داعمة تثري العملية التعليمية وتوسع مدارك الطلبة، مؤكداً أن نجاح النظام لا يعتمد على الفكرة بحد ذاتها، بل على آلية التنفيذ.
ويوضح أن تطبيق هذا النظام، خصوصاً في الصفوف الأولى من الأول وحتى الرابع الأساسي، يحتاج إلى تعامل دقيق، لأن هذه المرحلة تعتبر مرحلة تأسيسية في بناء مهارات القراءة والكتابة والحساب وتكوين المفاهيم الأساسية لدى الأطفال.
ويشدد على أنه في الصفوف التأسيسية تحديدًا، لا ينبغي أن يكون تنويع المصادر بديلًا عن مرجعية واضحة، بل مكمّلًا لها.
ويضيف: “الطالب الصغير يحتاج إلى بنية منظمة ومتسلسلة، لذلك فالنموذج الأفضل هو الجمع بين منهاج واضح (كتاب) ومصادر داعمة متنوعة”.
المصادر بين الكمّ والجودة
ولا يبدي صيصان تخوفا من نقص المصادر التي يمكن الرجوع إليها، ويبين أن المصادر المفتوحة متوفرة عالميًا وبكثرة، لكن التحدي ليس في الكمية، بل في الجودة والملاءمة للسياق المحلي.
ويشرح أن المصادر المتاحة ليست كلها مناسبة لغويًا أو ثقافيًا أو تربويًا لطلبتنا. لذلك، نجاح التجربة يتطلب وجود مرجعية وطنية تقوم بانتقاء وتدقيق وتنظيم هذه المصادر، وتقديمها للمعلم ضمن إطار واضح، بدل تركه أمام وفرة غير مضبوطة.
وفيما يتعلق بمنهجية وزارة التربية في البدء بتطبيق هذا النظام على طلبة الصفوف الدنيا، قال الخبير صيصان إن الصفوف الدنيا هي مرحلة بناء الأساس، وهي الأكثر حساسية. وعالميًا، يُفضَّل في هذه المرحلة التركيز على التعلم المنظم والمباشر أكثر من الاعتماد على التعلم المفتوح أو الرقمي.
وفيما إذا كان الطلاب في هذا السن مؤهلون للتعامل مع التكنولوجيا، يرى صيصان أنهم قادرون على التعامل مع التكنولوجيا بشكل بسيط، لكن التعلم الفعّال في هذه السن لا يعتمد على التكنولوجيا بقدر ما يعتمد على التفاعل المباشر والتدرج الواضح. لذلك، فإن البدء بهذه الفئة يحتاج إلى حذر مضاعف وضمانات قوية.
ويعتبر أنه كان ينبغي التدرج في تطبيق هذا النظام، وذلك ليس خيارًا بل ضرورة.
ويبين أن أي إصلاح تربوي واسع يحتاج إلى تجريب موسع، وتقييم شفاف، ثم تعميم مرحلي. والتدرج يسمح بتصحيح الأخطاء، وبناء قدرات المعلمين، وتهيئة المجتمع، ويقلل من المخاطر على الطلبة، خاصة في المراحل التأسيسية.
تحديات واقعية
ويقر صيصان بأن هناك تحديات واقعية تواجه تطبيق هذا النظام في فلسطين، منها: تفاوت الإمكانات بين المدارس، وضغط الحصص وكثافة الصفوف، والحاجة لتدريب عميق للمعلمين، ومحدودية الوقت لإعداد مواد متنوعة.
ولا يستبعد أن يلقي هذا النظام أعباء إضافية على عاتق الأهل والمعلم، ويقول إنه في بدايات التطبيق قد يشكل النظام عبئًا إضافيًا على المعلم في التخطيط والتحضير، وقد ينتقل جزء من هذا العبء إلى الأهل خاصة إذا لم تكن التعليمات واضحة أو كانت المتابعة المنزلية مطلوبة بشكل أكبر.
ويشير إلى أن المدارس الفلسطينية ليست مؤهلة تقنيًا لتطبيق هذا النظام بصورة متساوية، فهناك مدارس لديها بنية جيدة، وأخرى تعاني من ضعف في الأجهزة أو الاتصال أو الدعم الفني. لذلك، الحديث عن جاهزية شاملة يحتاج إلى تقييم دقيق وواقعي، لأن أي فجوة تقنية ستنعكس مباشرة على عدالة فرص التعلم.
وبناء على ما سبق، يبدي صيصان تخوفه من احتمال أن يؤدي تطبيق هذا النظام إلى تفاوت في مستويات التعليم بين الطلبة من معلم إلى آخر ومن مدرسة إلى أخرى.
ويبين أنه عندما تزداد مرونة المصادر دون وجود ضبط كافٍ، قد تظهر فروقات بين المعلمين في اختيار المحتوى وتنفيذه. فبعض المعلمين قد يبدعون، بينما قد يواجه آخرون صعوبة، ما قد يؤدي إلى تفاوت في جودة التعلم بين الصفوف والمدارس. لذلك، وجود إطار واضح وإرشادات محددة أمر أساسي لتقليل هذا التفاوت.
مخاوف مشروعة
ويعتقد صيصان أن مخاوف الأهالي وكثير من المعلمين والتربويين إزاء تطبيق هذا النظام، هي مخاوف مشروعة في جزء كبير منها، لأنها لا تنطلق من رفض التطوير، بل من الحرص على جودة التعليم، خاصة في مرحلة حساسة.
ويضيف أن هذه المخاوف يجب أن تُؤخذ بجدية، وأن تُقابل بـشفافية في عرض الأدلة، وحوار مجتمعي حقيقي، وتوضيح آليات التطبيق.
ويؤكد أن التطوير التربوي الناجح لا يقوم على فرض نموذج جديد بسرعة، بل على بناء ثقة تدريجية، وإشراك الميدان، والاستناد إلى نتائج واضحة يمكن للجميع الاطلاع عليها.