الخبير التربوي د. غسان ذوقان في لقائة مع مجلة البيت المهني:
التعليم الإلكتروني حل اضطراري اقتضته الظروف ونحن بحاجة إلى نظام هجين ومرن
نابلس-
يرى الخبير التربوي د. غسان ذوقان أن التعليم الإلكتروني في فلسطين هو حل اضطراري اقتضته ظروف الحرب الراهنة، وليس خيارا تربوي مخططا له، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون بديلا عن التعليم الوجاهي.
وقال د. ذوقان لمجلة “البيت المهني” إن تطبيق نظام التعليم الإلكتروني كشف عن فجوات عميقة جداً في البنية التحتية للنظام التعليمي في فلسطين وفي العدالة التعليمية بين الطلاب في البيئات المختلفة.
لكن من جهة أخرى، يعتقد ذوقان أن هذا النمط من التعليم أعاد التفكير في أمور إيجابية، منها كيفية تطوير طرق التدريس، وما هي أساليب التقييم المناسبة، وكيفية ربط التعليم بسوق العمل مستقبلاً، وهذا بالتالي أبرز الحاجة إلى نوع من التعليم يمكن أن يطلق عليه “التعليم الهجين” وهو نظام مرن يجمع ما بين التعليم الوجاهي والتعليم الرقمي بما يتلاءم مع الواقع الفلسطيني.
وأوضح ذوقان أنه ومنذ جائحة كورونا وحتى اليوم، أوجد التعليم الإلكتروني فاقدا تعليميا لا يستهان به في فلسطين، ومن أبرز ملامح هذا الفاقد عند المتعلمين التراجع الواضح في مستوى اكتساب المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب، خاصة عند طلاب صفوف الأول والثاني والثالث الأساسي.
وأضاف أن هناك ضعفا كبيرا وعميقا في الفهم للمحتوى التعليمي في التعليم الإلكتروني، ويترتب على ذلك فاقد تعليمي، إذ أن فهم المحتوى التعليمي أثناء التعليم الوجهي يكون أعمق وأفضل مقارنة بالتعليم الإلكتروني، لعدم وجود تواصل بصري وحسّي بين المعلم والمتعلم.
ويحدث هذا الفاقد التعليمي بسبب عدم توفر بيئة تعليمية مناسبة داخل المنزل، إما لأن الآباء والأمهات يعملون وغير متفرغين لأبنائهم، أو لكثرة الطلاب داخل البيت، أو لعدم توفر الأجهزة الكافية داخل البيت، أو الانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت خاصة في قطاع غزة، وبالتالي لا يوجد تفاعل مباشر بين المعلم والمتعلم، وهذا يخلق ضعفا واضحا في الفهم والتجاوب.
تعويض الفاقد
ورغم هذه الصورة السوداوية، يبين ذوقان أن هناك إمكانية لتعويض هذا الفاقد التعليمي، لكن ذلك بتطلب تخطيطا وتدخلا تربويا على مستوى عال من الخبراء والمختصين، من خلال وضع برامج تعليمية تعويضية تركز على المهارات الأساسية التي حصل فيها فاقد تعليمي، مثل القراءة والكتابة والحساب.
ويشدد ذوقان أنه لابد من إجراء تقييم تشخيصي لكل طالب على انفراد، للكشف عن الفجوات التعليمية التي حدثت.
ويدعو إلى اعتماد نمط من التعليم هو التعليم المدمج، والذي يدمج بين التعليم الإلكتروني عن بُعد والتعليم الوجاهي، لكي يكون هناك تواصل بصري وحسّي ومادي ما بين المعلم والمتعلم.
ويشير ذوقان إلى أن التعليم الإلكتروني خفّض الدافعية للتعلم عند الطلاب، وأوجد عند عدد لا بأس به منهم شكلا من أشكال اللا مبالاة نتيجة عدم التواصل الحقيقي، وأصبح المتعلم بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي لاسترجاع دافعيته للتعلم وتحسين المخرجات التعليمية في النظام التعليمي.
نقاط ضعف رغم الخبرات المتراكمة
ويقر الخبير ذوقان أن الأزمات المتتالية التي مررنا بها منذ جائحة كورونا إلى اليوم، ساهمت في توظيف التكنولوجيا في التعليم في فلسطين، كما ساهمت بشكل أو بآخر في تطوير المهارات الرقمية عند المعلمين خاصة الشباب منهم، وأيضا عند الطلاب.
ويضيف أنه مع تكرار الأزمات أوجد منصات تعليمية مختلفة، وأصبح عند قطاع واسع من المعلمين قدرة على إعداد المحتوى الرقمي واستخدام الأدوات، لكن هذه الاستفادة لا تزال محدودة لأن التعليم الإلكتروني هو حالة اضطرارية وليس مخطط لها.
ويشرح ذوقان لماذا بقيت الخبرات في هذا المجال محدودة، ويبين أنه حتى اللحظة لا زال هناك ضعف في البنية التحتية التي تهيئ لتعليم رقمي أو إلكتروني جيد في المدارس وفي البيوت.
وعند إمعان النظر في الواقع التعليمي عند المعلمين والطلاب في البيئة المجتمعية والجغرافية، يتضح أن هناك فجوة رقمية بين المدن والقرى والمخيمات، وبين المدارس الحكومية والخاصة، وبين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي لا يمكن الادعاء أن لدينا تعليما إلكترونيا ناجحا وفعالا ومستداما.
ويضيف أن التجربة الفلسطينية في هذا المجال، وإن تجاوزت الست سنوات، إلا أنها ما زالت في مرحلة انتقالية وتحتاج إلى تطوير منهجي كامل من قبل الخبراء والمختصين التربويين والتقنيين، وبحاجة لتضافر الجهود على مستوى عال، وإلى إمكانات مادية ومالية.
ويشير بهذا الصدد إلى أننا لا زلنا حتى الآن نستخدم أدوات تعليم إلكتروني بعضها جيد وبعضها الآخر سلبي؛ وأبرزها منصة “واتساب”، وهذه الوسيلة في التواصل بين المعلمين والطلاب وفرت حدا أدنى من التعلم، لأنها سهلة الوصول ومتطلباتها التقنية منخفضة ولا تحتاج إلى متطلبات تقنية كبيرة جدا.
لكن هذه الأدوات لا تخلوا من سلبيات أبدا، فالواتساب مثلا هو أكثر أداة مستخدمة وبشكل كبير جدا، إلا أنه كأسلوب أو كمنفذ للتعليم يفتقر للتنظيم التربوي، وفيه شبه عشوائية، ويقوم على تكليفات ووظائف أو مهمات معينة، وبالتالي لا يمكن من خلاله ضبط عملية التقييم.
كما أن منصة “تيمز” المعتمدة في المدارس، تحتاج لبنية تحتية تقنية قوية، سواء في المدارس أو في بيوت المعلمين أو في بيوت الطلبة.
ويؤكد أن الصفوف الافتراضية تفتقد للتفاعل الحقيقي بين المعلم والطالب الذي هو محور العملية التعليمية، وهذا يؤثر على جودة التعليم والمخرجات التعليمية.
ويقول إن الأدوات المستخدمة حاليا يمكن أن تكون حلا طارئا للعملية التعليمية، لكنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون بديلا كاملا للتعليم الوجاهي، وينتج عنها نقصا وفاقدا تعليميا، وهو ما يبقي على الإشكالية في النظام التعليمي، ويؤثر على الطلاب وعلى عملية التقييم، سواء في المستوى الجامعي أو في مستوى المدارس الثانوية أو الاعدادية أو الابتدائية.
ويوضح أن عملية التقييم مهمة جدا بالنسبة للطلاب وللعملية التعليمية، وإذا استمرت الأزمات والظروف الاستثنائية التي نعيشها، فسنواجه تحديا كبيرا جدا في عملية تقييم الطلاب، لأن إجراء الاختبارات عبر الإنترنت لا يوفر مصداقية للتقييم، خاصة وأن الكثير من الطلاب يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي، كما أنه لا يوجد عملية ضبط لحالات الغش، ولا يوجد تكافؤ فرص بين الطلاب، ما يعني أن التقييم الإلكتروني إذا استمر سيمثل عملية هدم للنظام التعليمي إن لم تكن هناك إجراءات علاجية جيدة.
ويدعو ذوقان إلى البحث عن أساليب تقييم بديلة؛ مثل المشاريع والمهمات والتقييم المستمر، وهذا معتمد في الجامعات حالياً، لكن هناك حاجة للتركيز على الأصل وهم طلبة المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية لأنهم سيكونون في المستقبل طلاب الجامعات.
ويقترح بديلا للاختبارات النهائية المعتمدة حاليا كخيار وحيد، أن يتم اللجوء لأساليب أخرى، كعمل تقييم شفوي للطلاب من خلال مقابلة شفوية بين المعلم والطالب أو مجموعة من الطلاب، ويطرح خلالها أسئلة معينة عليهم، ويمكن أن تكون المقابلات فردية لتقييم مصداقية النتائج.
ورغم كل الظروف والأزمات والصعوبات، يؤكد ذوقان ضرورة اللجوء إلى التقييم الوجاهي والإلكتروني معا لضمان العدالة والموضوعية بين الطلاب.
ويضيف: “يمكن أن يكون التعليم إلكترونيا، لكن الامتحانات يجب أن تكون وجاهية حتى نضبط حالات الغش، ونضمن وجود عدالة، وأن يكون هناك تقييما حقيقيا”.
وهذا يحتاج -حتى في ظل التعليم الوجاهي- الانتقال من ثقافة الاختبار النهائي إلى ثقافة التقييم الشامل، بحيث لا يكون الاعتماد على الاختبارات والعلامات في الدرجات النهائية، فمن الخطأ أن يكون هدف التعليم فقط الحفظ وإفراغ المحتوى التعليمي في ورقة الأسئلة والإجابات.
مخرجات التعليم وسوق العمل
ويقر ذوقان أن التعليم الإلكتروني له تأثيرات متباينة على سوق العمل، خاصة في فلسطين، وتحديدا في القطاعات المهنية، لكنه ينظر لهذا الأمر من جانبين اثنين.
ويوضح أن التعليم الإلكتروني يؤدي إلى نوع من الاعتماد المفرط والكبير جداً على التعليم النظري عبر الإنترنت، وينتج عن ذلك ضعف في المهارات العملية عند الخريجين، وهو ما يؤدي إلى فجوة ما بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
ويشرح أن الخريج عندما يتوجه إلى سوق العمل يكون حافظا نظرياً، لكن من الناحية العملية فهو يفتقر إلى المهارات، وهذا يؤثر على فرص التوظيف والانتاج وسوق العمل.
وهذا بحاجة إلى عملية دمج بين الجانب النظري والجانب العملي، فيمكن إعطاء محاضرات نظرية لكن الممارسة العملية يجب أن تكون وجاهية وليس في صفوف افتراضية، أو يمكن عمل مشاريع ويتم تقييمها وجاهياً.
لكن من ناحية ثانية، يرى ذوقان جانبا إيجابيا في التعليم الإلكتروني، إذ يوفر فرصة جديدة عند الطلاب وينمي مهارات العمل عن بُعد لديهم، ما يسهل عملية انخراطهم في الاقتصاد الرقمي.
ويشير إلى أن هناك وظائف عابرة للقارات وخارج الحدود الجغرافية، فيمكن أن يكون الخريج في فلسطين ويعمل مع شركة في بريطانيا أو اليابان، وهذا يفتح آفاقا أمام الشباب الفلسطينيين، ووفر فرصة للتغلب على البطالة في بعض القطاعات.
ومع ذلك، فهذه الاستفادة لا تأتي بسهولة، بل تتطلب إعادة توجيه النظام التعليمي، وتحتاج إلى إعادة النظرة في النظام التعليمي من أجل الاستفادة من التعليم الإلكتروني في توجيه الاقتصاد الرقمي والوظائف خارج الحدود الجغرافية، والدمج ما بين التعليم النظري عبر التعليم الإلكتروني والتطبيق العملي.
ويشدد على ضرورة إعادة النظر في التعليم، والتركيز على مهارات القرن الـ21 مثل مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعليم الذاتي، والابتعاد عن التعليم التلقيني الكلاسيكي المطبق والذي يقوم على أن عقول الطلاب مجرد بنوك لإيداع المعلومات فيها فقط.
ويدعو إلى تعليم الطلاب كيف يكونون ناقدين، وكيف يحلون المشكلات، وكيف يتقنون التعلم الذاتي، لا أن يكون الاعتماد الكلي على المعلم أو على الكتاب والمنهاج التعليمي.
