رغم التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي غيّرت شكل الحياة في الضفة الغربية، ما تزال بعض المهن التقليدية تقاوم الاندثار، ومن أبرزها مهنة “العتّال” أو الحمّال، التي ارتبطت بالأسواق الشعبية والبلدات القديمة لعقود طويلة.
في أسواق مدن مثل الخليل ونابلس والقدس، يمكن مشاهدة رجال يدفعون عربات محمّلة بالبضائع أو يحملونها على ظهورهم، متنقلين بين الأزقة الضيقة التي يصعب وصول المركبات إليها. هذه المهنة، التي تعتمد على الجهد العضلي والخبرة في التعامل مع البضائع والتجار، كانت يوماً جزءاً أساسياً من حركة السوق اليومية.
تاريخياً، لعب العتّال دوراً مهماً في الاقتصاد المحلي، خاصة في الفترات التي سبقت انتشار وسائل النقل الحديثة. فقد كان حلقة الوصل بين التاجر والمستهلك، وبين المخازن والمحلات، وساهم في تنظيم حركة البضائع داخل الأسواق المكتظة.
لكن مع تطور وسائل النقل وظهور المركبات الصغيرة وعربات الشحن، تراجعت الحاجة إلى هذه المهنة بشكل ملحوظ. ورغم ذلك، لم تختفِ بالكامل، بل استمرت في الأماكن التي حافظت على طابعها القديم، حيث لا تزال الأزقة الضيقة والازدحام يفرضان الحاجة إلى العتّال.
ويرى مختصون في التراث الشعبي أن استمرار هذه المهنة لا يرتبط فقط بالحاجة الاقتصادية، بل أيضاً ببنية المدن القديمة في فلسطين، التي لم تُصمَّم لاستيعاب وسائل النقل الحديثة. كما أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تدفع بعض العمال إلى التمسك بها كمصدر رزق متاح، رغم مشقتها وقلة مردودها.
وتندرج مهنة العتّال ضمن عشرات الحرف التقليدية التي شهدت تراجعاً أو اندثاراً في فلسطين، مثل مهن مبيّض النحاس، والجلّاخ، والسكافي، والفاخوري، نتيجة التحولات الصناعية وانتشار المنتجات الجاهزة.
ويشير باحثون في التراث إلى أن هذه المهن كانت جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، حيث اعتمدت على الإنتاج اليدوي والتبادل المحلي، قبل أن تتأثر بالعولمة وتغيّر أنماط الاستهلاك.
ورغم تراجعها، تبقى مهنة العتّال شاهداً حياً على مرحلة تاريخية من الحياة الفلسطينية، وعلى نمط عمل قائم على الجهد والصبر، في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة وتختفي معه تفاصيل كثيرة من الذاكرة اليومية.
