رئيسة بلدية نابلس عنان الأتيرة لمجلة “البيت المهني”

وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار مسار طبيعي يجب أن يستمر.. وندرك حجم التحديات التي تواجه مدينة نابلس وبلديتها

نابلس-

تفخر السيدة عنان خليل الأتيرة بكونها أول امرأة تتبوأ منصب رئيس بلدية نابلس، وهو المنصب الذي ظل حكرا على الرجال منذ تأسيس البلدية قبل 157 عاما.

وانتخبت الأتيرة رئيسة لبلدية نابلس بتصويت جميع أعضاء المجلس البلدي الجديد، بعد فوز قائمة “الصمود والعطاء” بالتزكية في الانتخابات المحلية التي أجريت في نيسان/أبريل الماضي، في ظل غياب قائمة منافسة.

وفي لقاء مع مجلة “البيت المهني”، قالت الأتيرة: “وجودي على رأس بلدية نابلس يمثل بالنسبة لي شرفًا كبيرًا ومسؤولية وطنية ومجتمعية كبيرة”.

ورأت الأتيرة في هذا التطور أمرا بالغ الأهمية، خاصة وأن بلدية نابلس تُعد من أكبر بلديات الوطن، وقد حملت على عاتقها عبر السنوات مسؤوليات وطنية ومجتمعية كبيرة، سواء في مواجهة الاحتلال ومخططاته، أو في تقديم الخدمات التي تعزز صمود المواطنين على أرضهم.

وأضافت: “أرى أن وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار هو أمر طبيعي ومسار يجب أن يستمر، ليس فقط على مستوى البلديات والحكم المحلي، بل أيضًا على المستوى السياسي والبرلماني والمؤسسات المختلفة”.

وأوضحت الأتيرة أن المرأة الفلسطينية كانت دائمًا شريكة في النضال وشريكة في القرار، وقد خرجت من رحم المعاناة والانتفاضات والمواجهة مع الاحتلال، ما منحها خبرات وقدرات تؤهلها لتولي مواقع القيادة وصنع القرار.

مسؤولية وطنية ومجتمعية

والأتيرة (65 عاما) لم تكن بعيدة عن العمل العام، فقد تولت سابقا منصب نائب محافظ نابلس لعدة سنوات، وهي ناشطة مجتمعية وعضو في العديد من المؤسسات، والجمعيات النسوية والخيرية والطبية.

وحول ما إذا كان ترشحها لرئاسة بلدية نابلس جاء بمبادرة شخصية أم بتكليف وقرار تنظيمي من حركة فتح التي تنتمي لها، أكدت الأتيرة أن ترشحها لم يكن قرارًا شخصيًا منفصلًا عن السياق العام، بل جاء في إطار مسؤولية وطنية ومجتمعية تجاه مدينة نابلس؛ “هذه المدينة التي نحبها ونعتز بتاريخها وصمودها ودورها الوطني”.

وأضافت: “أنا على قناعة كبيرة بأن هذا الترشيح هو تكليف ومسؤولية، ولي شرف كبير أن أترأس قائمة حركة فتح، وهي ثقة أعتز بها كثيرًا. كما يسعدني أن تضم القائمة مجموعة من النساء والشباب من أصحاب الكفاءة والخبرة”.

بين التزكية والمنافسة

وردا على سؤالنا إن كانت تشعر بالارتياح نتيجة الفوز بالتزكية بدل المنافسة الانتخابية، قالت الأتيرة إنها تؤمن دائمًا بأن الانتخابات وسيلة ديمقراطية أساسية، وليست فقط وسيلة ناجعة، بل حق أصيل للمواطن في ممارسة حقه بالاقتراع والترشح.

وأضافت: “كنا نتمنى ونتوقع وجود منافسة انتخابية في صناديق الاقتراع مع كتل أخرى، لكن التزكية أيضًا شكل قانوني من أشكال الاختيار وفق قانون الانتخابات، والمجلس المنتخب، رغم تنوع خلفيات أعضائه، يضم كفاءات قادرة على العمل والعطاء، وهو مجلس لكل المدينة ولكل مواطنيها”.

وأكدت أن إيمانهم بقدراتهم وكفاءتهم كان الدافع الأساسي لخوض هذه الانتخابات، وأنهم يدركون في الوقت نفسه، أن مدينة نابلس تتميز بتنوعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولا يمكن إدارة شؤون مدينة بهذا الحجم والتنوع بعقلية منغلقة.

وتابعت: “سنعمل على فتح قنوات تواصل حقيقية مع مؤسسات المجتمع المدني، وسنثبت لأهلنا في مدينة نابلس ومحافظتها أن هذا المجلس سيبذل كل طاقاته وإمكاناته لتحقيق أهداف البلدية، وتقديم الخدمات للمواطنين بعدالة وكفاءة، ونحن قادرون على ذلك بإذن الله”.

واعتبرت الأتيرة أن الحكم الحقيقي في النهاية سيكون على الأداء، وعلى قدرة المجلس الجديد على خدمة الناس بعدالة وكفاءة، “وهذا هو التحدي الذي نضعه أمام أنفسنا”.

وأشارت إلى حرص القائمة منذ البداية على أن تضم أشخاصًا يمتلكون خبرات ومعارف في قطاعات متعددة، مثل الإدارة، والقانون، والهندسة، باعتبار أن الجانب الهندسي يشكل جزءًا أساسيًا من عمل البلدية، إضافة إلى خبراء في الاقتصاد والعمل المجتمعي والخدمات.

وقالت: “نظرنا إلى طبيعة البلدية والأقسام والخدمات التي تقدمها، وعلى هذا الأساس تم اختيار أعضاء القائمة وفق احتياجات العمل البلدي ومتطلباته”.

ونوهت إلى معيار أساسي آخر في اختيار مرشحي القائمة، وهو الكفاءة والنزاهة والاستعداد لتحمل مسؤولية العمل لساعات طويلة، والقدرة على تحمل أعباء العمل وخدمة المواطنين بروح المسؤولية.

وعبرت عن فخرها الكبير بالفريق الذي تم تشكيله، وإيمانها بأنه يمتلك الطاقات والخبرات التي ستشهد لها مدينة نابلس ومحافظتها، وسيعمل بكل جهده وإمكاناته لخدمة المدينة وأهلها.

ظروف صعبة وتحديات كبيرة

ويأتي انتخاب الأتيرة لهذا المنصب الهام، في ظل ظروف سياسية واقتصادية صعبة تمر بها مدينة نابلس والوطن عموما، وفي وقت تمر فيه بلدية نابلس -كالكثير من المجالس البلدية والقروية- بأزمة مالية خانقة، إلى جانب التحديات التي يفرضها الاحتلال باجتياحاته المتكررة وحصاره للمدينة.

سألنا الأتيرة إن كانت قد اطلعت وفريقها مسبقًا على واقع بلدية نابلس؟ فأوضحت أنهم استثمروا الفترة الماضية، بعيدًا عن أجواء الدعاية الانتخابية، في متابعة واقع البلدية بشكل عام.

وقالت: “لدينا معرفة عامة بالتحديات التي تواجه المدينة والبلدية، وندرك أن هناك ملفات ثقيلة ومتراكمة، خاصة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها نابلس. وفي مقدمة هذه التحديات يأتي الوضع المالي، إلى جانب مستوى الخدمات، والبنية التحتية، وواقع الموارد البشرية داخل البلدية”.

وأشارت إلى أن قطاع المياه يحتاج إلى عمل جاد للتقليل من الفاقد وتحسين تحصيل المستحقات، فيما سيكون ملفا النظافة والصحة العامة ضمن أولويات المجلس الأساسية، لما لهما من أثر مباشر على حياة المواطنين اليومية.

وقالت: “كما وعدنا المواطنين، ستكون هناك علاقة مباشرة ومنظمة مع الجمهور، من خلال لقاءات دورية وأيام مفتوحة للتواصل مع المواطنين والاستماع إلى ملاحظاتهم واحتياجاتهم”.

وأضافت: “ندخل إلى البلدية بروح المراجعة الهادئة والمسؤولة، بعيدًا عن أي أحكام مسبقة، لأن هدفنا هو تشخيص الواقع بشكل دقيق، والبناء على ما تمتلكه هذه المؤسسة العريقة من خبرات وقدرات، بما يساعد على تطوير الخدمات وتحسين الأداء بما يليق بمدينة نابلس وأهلها”.

وأكدت أنه لا يمكن مواجهة هذه التحديات بشكل فردي، فالنجاح يحتاج إلى مجلس متماسك، وإدارة مهنية، وتعاون حقيقي من جميع أقسام البلدية والمؤسسات ذات العلاقة، محليًا ودوليًا.

وشددت على أن “لدينا إرادة واضحة للعمل، واستعداد للاستماع واتخاذ القرارات الضرورية، حتى لو كانت صعبة. ولذلك سنبدأ بمراجعة دقيقة لواقع المؤسسة، لتحديد نقاط القوة وتعزيزها، ومعالجة نقاط الضعف بشكل مهني ومسؤول”.

ملفات معقدة

وبينت أن الأزمة المالية تأتي في مقدمة أولويات المجلس الجديد، لأنها من أكثر الملفات تعقيدًا، لكنها نبهت إلى أن التعامل معها يجب أن يكون عبر خطط عملية وواقعية، لا من خلال الشعارات، وذلك من خلال ضبط النفقات، وتحسين التحصيل المالي، ومراجعة العقود والاتفاقيات، وترتيب الأولويات وفق احتياجات المدينة والإمكانات المتاحة، “وسنركز على وقف أي هدر مالي، وتحسين التحصيل بعدالة”.

وتعتقد الأتيرة أن الخروج من الأزمة المالية لن يكون سريعًا، لكنه أمر ممكن من خلال العمل التدريجي والقرارات المسؤولة.

وكشفت عن نية المجلس إجراء مراجعة للوضع المالي والإداري والخدماتي بشكل شامل، إلى جانب دراسة المشاريع القائمة واستقطاب مشاريع جديدة من الجهات الداعمة، خاصة وأن لمدينة نابلس حضورًا وعلاقات واسعة يمكن البناء عليها لخدمة المدينة.

وفي الوقت نفسه، سيركز المجلس على الخدمات اليومية التي تمس حياة المواطنين مباشرة؛ مثل المياه، والنظافة، والبنية التحتية، والطرق، والاستجابة لشكاوى المواطنين، “لأن هدفنا ليس فقط توفير الخدمة، بل تحسين جودتها وتعزيز ثقة المواطن بالبلدية”.

وأضافت: “سنحرص على أن تبقى البلدية قريبة من الناس، من خلال قنوات تواصل مباشرة، والاستماع المستمر لملاحظاتهم واحتياجاتهم، باعتبار أن الشراكة مع المواطنين جزء أساسي من نجاح أي عمل بلدي”.

وحول البرنامج الذي سيعتمده المجلس الجديد لإصلاح الواقع الإداري داخل البلدية، بينت الأتيرة أن تطوير الأداء المؤسسي هو ضمن أولوياتهم الأساسية داخل البلدية، من خلال مراجعة السياسات وآليات العمل والإجراءات المعمول بها، والعمل على تطويرها وتحسين كفاءة الإدارات والأقسام المختلفة، بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وبينت أن المجلس يولي اهتمامًا خاصًا بالهيكل الوظيفي، من خلال دراسة المقترحات السابقة والاستعانة بخبرات متخصصة، بهدف الوصول إلى هيكل إداري أكثر فاعلية ومرونة، قادر على مواكبة احتياجات المدينة ومتطلبات المرحلة المقبلة.

وأوضحت أنهم ينظرون إلى موظفي البلدية باعتبارهم شركاء أساسيين في عملية تطوير البلدية وإنجاحها، “ونعوّل على خبراتهم وقدراتهم الكبيرة في تحسين الأداء والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين”.

وفي جانب الرقابة والمتابعة، سيعمل المجلس على تعزيز وضوح المسؤوليات، وتفعيل أدوات الرقابة وتقييم الأداء بشكل مستمر، لأن الإدارة الناجحة تقوم على المتابعة والمساءلة وتحسين الأداء بشكل دائم.

كذلك سيحرص المجلس على تعزيز الشفافية في عمل المجلس البلدي والقرارات التي تُتخذ، بما يعزز ثقة المواطنين ويقرّب البلدية أكثر من الناس.

وأضافت: “من الطبيعي أن تواجه أي عملية تطوير بعض التحديات، لكننا نؤمن أن الحوار والتعاون والعمل بروح الفريق هي الأساس لتحقيق إصلاح حقيقي ومستدام داخل البلدية”.

رسالة إلى أهالي نابلس

ووجهت الأتيرة رسالة إلى أهالي نابلس، قالت فيها: “ندرك تمامًا حجم المسؤولية التي نحملها، ونعرف هموم الناس وتحدياتهم، لأننا جزء من هذه المدينة وتفاصيل حياتها اليومية. نحن لا نقدّم وعودًا كبيرة، بل نلتزم بالعمل الجاد، والشفافية، والإخلاص في خدمة نابلس وأهلها، ونؤمن أن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا بالشراكة الحقيقية مع المواطنين، والاستماع الدائم لملاحظاتهم واحتياجاتهم”.

وأضافت: “ستبقى أبواب البلدية مفتوحة أمام الجميع، لأننا نريد بلدية قريبة من الناس، تعمل معهم ومن أجلهم، وتضع مصلحة نابلس فوق كل اعتبار”.

وختمت بالقول: “نابلس تستحق منا جميعًا أن نكون على قدر هذه المسؤولية، وأن نعمل معًا من أجل مدينة أكثر تنظيمًا وعدالة وقدرة على الصمود والحياة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *