منحت جامعة بيرجن النرويجية، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية وأكثرها مكانة أكاديمية، درجة الدكتوراه الفخرية للطبيبة والكاتبة الفلسطينية الدكتورة سماح جبر، وذلك ضمن قائمة محدودة ضمت عشر شخصيات عالمية بارزة جرى اختيارها تقديراً لإسهاماتها الفكرية والإنسانية والعلمية المؤثرة على المستوى الدولي.
وجاء هذا التكريم الأكاديمي الرفيع اعترافاً بالدور الذي لعبته الدكتورة جبر في تطوير وإبراز مفهوم “الطب النفسي المناهض للاستعمار”، إلى جانب جهودها المتواصلة في توثيق الآثار النفسية والاجتماعية العميقة الناتجة عن العنف السياسي والاحتلال، وما يترتب عليهما من تحديات تؤثر في الأفراد والمجتمعات على المدى الطويل.
وأشادت اللجنة الأكاديمية في جامعة بيرجن بالنهج الذي تتبعه الدكتورة جبر في عملها، معتبرةً أنها استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً يجمع بين الممارسة الطبية الإكلينيكية والعمل الحقوقي والإنساني، وأن تطرح رؤية متكاملة ترى أن الصحة النفسية لا يمكن فصلها عن قضايا العدالة والحرية والكرامة الإنسانية.
وأكدت الجامعة أن مساهمات الدكتورة جبر لم تقتصر على المجال العلاجي فحسب، بل امتدت إلى إثراء النقاشات الأكاديمية والبحثية العالمية المتعلقة بالصحة النفسية في مناطق النزاعات والصراعات، مع التركيز على الآثار النفسية للاحتلال والعنف السياسي على الأفراد والمجتمعات.
وتُعد الدكتورة سماح جبر واحدة من أبرز الشخصيات الفلسطينية والعربية في مجال الطب النفسي، حيث تشغل منصب رئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية، وتعمل منذ سنوات على تطوير خدمات الرعاية النفسية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية وارتباطها بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الفلسطينيون.
وقد بدأت مسيرتها الأكاديمية بدراسة الطب في جامعة القدس – أبو ديس، حيث كانت من أوائل خريجي كلية الطب، وتخرجت ضمن أول دفعة طب عام 1997. وبعد ذلك واصلت مسيرتها العلمية والتخصصية في كل من فرنسا والمملكة المتحدة، حيث حصلت على تدريب متقدم في مجال الطب النفسي، ما أتاح لها الجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة المهنية المتخصصة.
وخلال مسيرتها المهنية، أسهمت الدكتورة جبر في العديد من المشاريع البحثية والعلمية التي تناولت قضايا الصحة النفسية والصدمات النفسية الناتجة عن النزاعات، كما شاركت في مؤتمرات وندوات أكاديمية دولية، وقدمت العديد من الدراسات والمقالات التي تناولت العلاقة بين الصحة النفسية والعدالة الاجتماعية والظروف السياسية.
ويضاف هذا التكريم إلى سلسلة من الجوائز والإنجازات التي حققتها الدكتورة جبر على مدار سنوات عملها، إذ حصلت عام 2021 على جائزة البحث العلمي في الطب النفساني تقديراً لعملها على إعداد “الدليل الإرشادي لمنع الانتحار في أقسام الطوارئ”، وهو مشروع علمي ومهني حظي بتقدير واسع لأهميته في تطوير آليات التدخل المبكر والوقاية من حالات الانتحار.
كما نالت عام 2014 منحة مؤسسة دبي هارفارد للأبحاث الطبية، التي تُمنح للباحثين المتميزين في المجالات الطبية والصحية، تقديراً لجهودها البحثية والعلمية.
وفي مرحلة مبكرة من مسيرتها الأكاديمية، حصلت الدكتورة جبر عام 1998 على جائزة معهد هوارد هيوز الطبي، إحدى أبرز الجوائز البحثية المرموقة، وذلك عن أبحاثها في مجال الكيمياء الحيوية، وهو ما عكس مبكراً تميزها العلمي وقدرتها على الإسهام في مجالات بحثية متنوعة.
ويُنظر إلى منح الدكتورة سماح جبر درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بيرجن بوصفه اعترافاً دولياً جديداً بمكانتها العلمية والمهنية، وبإسهاماتها في تطوير الفكر والممارسة في مجال الطب النفسي، فضلاً عن دورها في تسليط الضوء على التأثيرات النفسية للعنف والاحتلال من منظور أكاديمي وإنساني متكامل.
كما يعكس هذا التكريم الحضور المتزايد للكفاءات الفلسطينية في المؤسسات الأكاديمية العالمية، وقدرتها على ترك بصمة مؤثرة في مجالات البحث العلمي والعمل الإنساني، وتقديم نماذج معرفية ومهنية تحظى بالتقدير والاحترام على المستوى الدولي.
