لم تكن مهنة “الساعاتي” في مدينة نابلس بمنأى عن التحولات التكنولوجية التي غيّرت أنماط الحياة خلال العقود الأخيرة، فقد تراجعت مكانة الساعات اليدوية وساعات الحائط التقليدية مع انتشار الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية التي باتت تؤدي الوظيفة ذاتها وأكثر.

وفي الماضي، كانت محال تصليح الساعات تنتشر في أسواق المدينة القديمة، ويقصدها الناس لإصلاح ساعاتهم أو ضبطها أو تغيير بطارياتها، وكانت الساعة تُعد من المقتنيات الثمينة التي يحرص أصحابها على صيانتها والحفاظ عليها لسنوات طويلة.

وتعتمد مهنة الساعاتي على مهارة عالية ودقة متناهية، إذ يتطلب إصلاح بعض الساعات التعامل مع أجزاء صغيرة جداً لا يتجاوز حجمها بضع مليمترات، إضافة إلى معرفة واسعة بآليات عمل الساعات الميكانيكية والكوارتز بمختلف أنواعها.

ومع مرور السنوات، تراجع الإقبال على هذه المهنة بشكل ملحوظ، خاصة مع انخفاض أسعار الساعات الحديثة وسهولة استبدالها بدلاً من إصلاحها، الأمر الذي دفع العديد من العاملين في هذا المجال إلى إغلاق محالهم أو التحول إلى مهن أخرى.

ورغم ذلك، ما تزال بعض الورش الصغيرة في البلدة القديمة تستقبل ساعات أثرية وقديمة يعود بعضها إلى عشرات السنين، حيث يحرص أصحابها على إصلاحها لما تحمله من قيمة تاريخية وعاطفية.

ويُنظر إلى مهنة الساعاتي اليوم بوصفها واحدة من المهن التراثية النادرة التي تقاوم الاندثار، إذ لم تعد تقتصر على إصلاح الساعات فحسب، بل أصبحت تسهم في الحفاظ على قطع تراثية وذكريات عائلية ارتبطت بأجيال متعاقبة.

وبين أصوات عقارب الساعات المعلقة على الجدران، ما تزال هذه المهنة شاهدة على زمن كانت فيه الساعة أكثر من مجرد أداة لمعرفة الوقت، بل رمزاً للأناقة والدقة ورفيقاً يومياً لا يفارق أصحابه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *